عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني

51

معارج التفكر ودقائق التدبر

كالحبّ والكراهية ، والغضب والرّضا ، واللّذة والألم . ولو لم يجعل اللّه لدى الإنسان الاستعداد للمعرفة ، ولم يضعه في بيئة تجريبيّة تجعله يتذوّق هذه الإحساسات ، لبقي صفحة بيضاء جاهلة ، فما يكتسبه الإنسان من ذلك هو تعليم من اللّه لعلوم لم يكن على علم بها . * * * ( 6 ) نظرة إجماليّة عامّة للدرس الأول بدأت أوّل سورة من القرآن نزلت على الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم بالأمر بالقراءة ، نظرا إلى أنّ القراءة وسيلة اقتباس المعارف المدوّنة الّتي سبق توصّل الناس إليها بوسائلهم الحسيّة والتجريبيّة والعقليّة الاستنباطية والخبريّة البشرية ، أو سبق أن تنزّل بها وحي اللّه على أنبيائه ورسله السابقين . ولمّا كان الهدف من القراءة تحصيل المعارف النافعة ، وأهمّها المعارف الدينيّة ، الّتي تهدي الناس إلى سعادتهم في دنياهم وآخرتهم ، كان لا بدّ من ملاحظة الاستعانة باللّه فيها ، ومصاحبتها بالتفكر بأسماء اللّه وصفاته الحسنى ، إذ الكون كلّه من آثارها ، لاستبصار الحقّ ، والتوفيق للإيمان ، ثم الارتقاء في درجاته ومراتبه ، والتزام العمل بمقتضاه ، إسلاما وطاعة للّه في أوامره ونواهيه ونصائحه ووصاياه ، وإرشاداته . فكانت الجملة الأولى خطابا للرّسول أوّلا ، فلكلّ موضوع في الحياة الدنيا موضع الابتلاء والتكليف : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ أي : اقرأ مستعينا بما لربّك من صفات حسنى عظيمات جليلات ، ومبتدئا بذكر اسم ربّك ، ومستصحبا التفكّر بأسماء اللّه الحسنى ، الملائمة للموضوع الذي تقرأ فيه ، فما من موضوع فكريّ إلّا له صلة باسم أو أكثر من أسماء اللّه الحسنى ، إذ ما من شيء في الكون إلّا هو أثر من آثار اسم فأكثر من أسمائه جلّ جلاله .